azzaman
2003/06/10
... ارسل الى صديق  ... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله Bookmark and Share

اضواء - شاعر نسي أن يعيش - جان...أما زلت تمزح ونحن نبحث عنك؟ - تيسير نظمي

اضواء - شاعر نسي أن يعيش - جان...أما زلت تمزح ونحن نبحث عنك؟ - تيسير نظمي
أعترف، أنني قرأت الخبر متأخراً ولم يعد بالتالي له ذلك الوقع التراجيدي، أن جان دمو مات.. هذه مزحة لا معني لها، ان جان دمو رحل هذا لا جديد فيه فقد كان دائماً يرحل ان جان دمو نسي أن يعيش هذا ذا المعقول حقاً كما عرفته عن قرب وبحس عال من الدعابة، جان كان دائماً منشغلاً بما هو جوهري وعميق ولذلك ولزحمة انشغالاته الفكرية نسي ان يعيش ولمن يجرؤ علي صداقته فإنه يقدم الدهشة تلو الأخري، الدهشة الفكرية لذلك سوف تنزعج الملائكة لدي محاولتها العناية به، وترتيب أوراقه، وتأويل قصائده وسوف تحسده الشياطين لانه فكر بما لم تفكر به وبما لا يخطر ببالها.
الرواية تقول أنه مات وهذه نكته باستطاعتي تخيل جان الآن مختبئاً في خرابة من خرابات استراليا يقرأ عدد 19 أيار (مايو) من الزمان ويضحك قد يضحك أولاً لانه سيقرأ في ذات العدد مادة منشورة لي عن الإضراب 23 يوماً عن الطعام، فقد أضرب هو عن الحياة اكثر من ستين عاماً، وسوف يضحك لأنه سيدرك من تلك المادة أنني لا أعلم بالخبر وبالتالي فقد نجح بأن يغافلني، سيسره أنني لا أعلم وغير متأكد حتي الآن بأنه توقف عن إخفاء الربعية بل توقف في الوقت المناسب كي يبقي لي منها نبل تفضيله لي علي نفسه، وتكون مشاعر ضيافته ما تبقي منها وبما أوصي بأن نشترك في الميراث مع أصدقائه الذين ودعوه في فندق ( كل ليلة بدينار )، وتركوا مهمة توصيله للمطار لي، باعتباري محترف سفر، وسوف يتقبل ذلك مني برحابة صدر دون أن يلوح لي في اللحظة الأخيرة: قاذورات.. فاشست.. الساعات التي التقيناها خلسة من الحياة في عمان كافية الدقائق فيها ان تكون روايات ناجحة ومدهشة، وإذا كان جان دمو قد صرح ذات يوم أنه وصول إلي منطقة ما بعد الشعر فإنني سأدعي أنني وصلت منطقة مشابهة هي ما بعد القصة وما بعد الرواية لأن حياتنا أصبحت الشعر والرواية معاً، وجان دمو ما يزال ينقصه كاتب قصة بموهبة عالية وثقافة عميقة، فحياته غنية بالمفارقة والشجاعة والشعر والأسمال، وربما أدرك ان ثمة قاص يتربص به لينهل من حياته فقرر معاقبته بأن اختفي إلي حين لأنه (أي جان) يمقت ضعاف الموهبة والسطحيين والمدعين، جان لم يمت لكنه يفضل التهرب من الصحفيين جان لم يرحل غير انه كانت له حكاية وألف حكاية مع الأمكنة والمدن التي سرعان ما ترحل خجلة من رخاوتها تحت سقف القصيدة وتحت إبط الشاعر وأحياناً من تحت قدميه، جان لم يغمض عينيه تماماً، لانه ما يزال يري كل شيء ويرانا... عراة... ونثير سخريته وقد يتبرع لأحدنا ببنطلونه الآن أدركت خطورة ان تنجز لجان دمو حلماً بسيطاً قبل صعوده للطائرة، كأن تنساق وراء مطلبه بأن يشتري بنطلوناً جديداً، فإذا قلت له قد نتأخر عن الطائرة المغادرة إلي استراليا قال لك سنأخذ تكسي، وإذا قلت له ان التكسي والبنطلون يكلفان أكثر من خمسة دنانير يسألك متنازلاً عن المطلبين معاً: هل يوجد شرب علي الطائرة؟ فإن قلت له نعم وقد تكون خدعته، استراح راضياً قانعاً بأن خمسة دنانير من شقيقته كافية ان تحل مشكلة جميع المسافرين إلي أستراليا في ذلك اليوم، وتحل مشكلتي أنا أيضاً بالعودة إلي عاصمة احبها جداً جداً، وقد ألح جان في الباص الذي استقليناه معاً للمطار انه حالما يصل إلي استراليا سيعمل ما بوسعه لطلبي من هناك وتدبر لجوء سياسي لي كذلك كي نعيش معاً، وهذا ما سيفعله الآن ولكنه يريد في كل وعوده مفاجئتي بالدعوة، إن كنت تقرأ ما اكتب، فكف فوراً عن المزاح وأرسل بالدعوة فقد أتيح لي اليوم ان اشتري لك هدية وان أحصل علي مكافأة لقصائدك، بل وان أقدم لك واجب ضيافتي لك، ولن يهم الوقت أو المسافة، عشر ساعات، عشر سنين، كل هذا نتدبره شريطة ألا يبحث أحدنا عن الآخر فلا يجده.. جان.. قلت لك ذات يوم: لا تشرب استراليا وأترك متسعاً للكنغر ! لا أريد تكرار النصيحة، وقد فعلت إليها الصديق الوفي ما قلته وكتبته لك حرفياً، فلا أنت شربت استراليا ولا أنت احتليت مساحة صغيرة للكنغر، انك فقط خجل من الزمن العربي ومتواري عنا لأنك لا تريد ان ترانا علي هذه الحال، حسناً،ألم يصلك أصدقاء آخرون بعد.؟ من كندا ومن دمشق ومن بغداد ومن كركوك ومن البصرة، نحن أيضاً قادمون ولن نتأخر طويلاً، خشية ان تنفرد بك الملائكة وتلوذ بك الشياطين أو أن تعاقب علي ذنب لم تقترفه وانما اقترفه الآخرون بحقك.. جان.. لماذا لم تشتم الجميع؟ السفلة والقاذورات والحقارات والفاشست ! وكل من سرق منك حتي أسمالك.

حديث جانبي

في فندق القدس خلال مهرجان جرش أواسط التسعينيات، ربما صيف 97 حيث كنت موعوداً بوظيفة معلم لغة إنكليزية كان تواجد جان دمو غير مريح لغالبية المثقفين العرب المدعوين للمهرجان وفنادق الخمسة نجوم وكنت أعده حال حصولي علي وظيفة بأن نتدبر أمورنا سوياً وقد راق له هذا الحلم البسيط المشروع، ولكن قبل ذلك كله كنت أنهض بين الفينة والأخري لطلب أو تسول السجائر لي وله من الشباب وتلك الليلة أذكر ان عدة فنادق شعبية وسط البلد من مستوي الليلة بدينارين قد رفضت استقبال جان دمو والفندق الذي أقيم به لا يستطيع احتمال اثنين مفلسين لا يملكون علبة سجائر. تلك الليلة مشينا علي الأقدام من فندق القدس حتي منتصف البلد أي قاع مدينة عمان لأننا لا نملك عشرين قرشاً أجرة لحافلة ولولا الشاب الطفيلي رائد لنام جان دمو في الشارع أو دهسته سيارة أقام جان دمو عدة أيام أو أسابيع علي سطح بناية مقابلة للبنك العربي ومجاورة لمخفر المدينة، وعندما انقطعت عن زيارته لأنني مدين لصاحب الفندق بخمسة دنانير أدرك جان دمو ان عزة نفسي جعلتني أظل ساهراً الليل دون ان أملك حتي ثمن صحن الفول في مطعم هاشم، لذلك راح يزمجر ذات مرة عندما وعدته مفوضية الأمم المتحدة بستين ديناراً ريثما يتم ترحيله إلي أستراليا كلاجئ سياسي أو أنساني، فقد قال لأصحاب الفندق بصوت عال وعلي مسمع من نزلاء سطح الفندق) أسمعوا يا حقارات، بعد اليوم إقامة تيسير في الفندق علي حسابي (وكان هذا أطرف تصريح اسمعه وانبله، فالستون ديناراً لا تكفي إقامة فندق وسجائر وعرق لجان فكيف تكفي اثنين؟
قلت له: جان لا تتهور ! فهل انت متأكد انهم سيعطونك ذلك المبلغ؟
قال: اجل كل يوم أحد في الخامس من مطلع كل شهر!
قلت له: وهل هم ملتزمون بالتوقيت واليوم من كل شهر.
قال: نعم كل أحد من رأس الشهر أو الخامس من بدايته.
قلت: لكن يا جان هنالك شهور لدينا في الأردن دون رؤوس، فابتسم جان واسترسلت: كما ان الحكومة قد تصدر قراراً بإلغاء يوم الأحد أو القفز عن الرقم 5 مع بداية كل شهر وبالتالي لا يقبضونك المبلغ ! فضحك جان لمعقولية إصدار القرار ولحكمتي بان لا يندفع ويتهور في تصريحاته دون ان يحسب حساب المفاجآت غير العقلانية في أوطاننا العربية.
حديث جانبي آخر دار بيننا بحضور الشابين حاكم عقرباوي وحسين جلعاد اللذين دعيا ذات مرة للمشاركة في مهرجان جرش كشاعرين وصدف ذلك الصيف ان صرفت جريدة البلاد الفلسطينية لي مائة وستون ديناراً عن استكتابي وترجماتي أخذت منها فقط الستون ديناراً ولطش مدير مكتبها المائة دينار علي شكل سلفة مقابل توقيعي له علي مائة وستون واستلامي ستين ديناراً فقط استأجرت بها سيارة سياحية واحتفلنا بركوبها الأمر الذي أدهش جان دمو قبل ركوبه فيها قال جان مندهشاً: هل تعرف تسوق؟ قلت مطمئناً: نعم، فقال: متأكد؟ قلت له ستعرف ذلك عندما نذهب لفندق تايكي الآن ونسهر هناك، فقال: أخشي ان تعمل كارثة؟ قلت له: لا داعي للخوف فحياتك يا جان أهم من كل السيارات والنقود ولما قدت السيارة وهو بجانبي وأصبح وضعي ملتبساً، ان يقود أحد الصعاليك سيارة بورجوازية وسياحية، ضجر جان من إمكانية وقوع قطيعة طبقية بيننا فقال مبتسماً: أقول لك.. الآن من الأفضل ان تعمل كارثة أو تصطدم بعمود وقضينا تلك الليلة نبحث عن (الربعية) التي أخفاها جان ثم أنسي أين أخفاها كاحتياط استراتيجي خشية ان ينفذ العرق، وقد حدثت الكارثة ليس التي يخشاها جان لكنها الكارثة التي نخشاها جميعاً.

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1528 --- Date 11/6/2003

جريدة (الزمان) --- العدد 1528 --- التاريخ 2003 - 6 - 11

AZP09
AYAT

Editor in Chief   Saad Albazzaz
تصويت
ما الذي سيحصل في العراق اذا طبق قانون الاقاليم؟
استقرار العراق
انتهاء العنف
تفتت العراق
انهيار الامن



   مقال فاتح عبد السلام 

Alefyaa
Alsharqiya TV
alsharqiya.com
International Edition الطبعة الدولية
Iraqi Edition طبعة العراق